محمد عبد الله دراز
342
دستور الأخلاق في القرآن
منا - دافعا معينا علويا ، ومباشرا ، وفوريا ، في صورة مساعدة ، أو ترك ، أو دعم ، أو قدر ضئيل من الطّاقة ، أو فعل لا يقاوم من باب الفضل ، أو الابتلاء ، يوجه - على تنوع - مؤشر نشاطنا ، ويحدد حركته في اتجاه ، أو آخر ، دون أن نحدس به مطلقا ؟ تلكم هي المسألة الّتي لم يفصح فيها القرآن عن نفسه بطريقة واضحة ، وكافية ، بل يبدو أنّه قد التزم من هذا الجانب نوعا من الحذر المقصود ، ذكر له الإجابة فيما بعد : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ « 1 » . ولهذا لم يقف المسلمون الأولون من السّلف ، والمعتدلون من الخلف ، عند بحث كهذا ، إذ يعدونه غير رشيد ولا مفيد ، ويبدو لنا في الواقع أنّ المشكلة بهذه الصّورة لا يمكن أن تحل حلا واضحا بأيّة وسيلة من وسائلنا العادية ، وبأنوار العقل وحدها ، إذ كان من الواجب دائما أن نتذكر التّناقض المذكور آنفا ، بين العدالة ، والقدرة الإلهية المطلقة . ولن تحلها كذلك التّعاليم الموحاة ، بقدر ما تكون صامتة ، أو محتملة لتفسيرين ؛ ولن تحلها التّجربة ، إذ كان أحد طرفي العلاقة لا سلطان لنا عليه . كيف نسوغ مسؤوليتنا على فرض غير مستبعد نهائيا ، وهو الفرض القائل بوجود نوع من التّحديد ، يتجاوز إرادتنا ، مهما كانت درجة فاعليتها ؟ إن كان ما يمكن قوله هو : أنّ الالتجاء إلى هذا التّحديد ، واتخاذه وسيلة للتخلص من المسؤولية لا يفيد في شيء ، إذ أننا لا نعلم وجوده ، ولا في أي جانب يتحقق إن
--> ( 1 ) الأنعام : 149 .